بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
( قصــــة قصيــــرة )

(( رب صـدفـة خيـر مــن ألــف ميــعاد ))!!
*الكـاتب القـــدير*
عمر عيسى محمد


عابر سبيل أنفرد في ساحة الغربة .. وحيداً يفقد السرب والرفقة .. وقد استحالت عليه معالم المدينة والجهات .. فالشرق قد يكون هو الغرب .. والغرب قد يكون هو الجنوب .. والجنوب قد يكون هو الشمال .. وتلك الشوارع يجدها لأول مرة .. طرقات وأزقة تجهلها الأقدام .. والوجوه غير مألوفة تتحدى الاجتهاد والفراسة .. والأسماء نكرة غير متاحة إلا لأهلها وأصحابها .. واليافطات تتحدث بلغاتها الخاصة التي تماثل الطلاسم .. وكل شيء أمام عينيه يقول لأول مرة .. إذا أراد أن يخاطب فعليه لغة الإشارة والتلميح .. وإذا أراد أن يأكل عليه أن يشير ويداعب الطعام .. وإذا أراد أن يشرب عليه أن يطمس الأصبع في إناء الشراب .. فهو في تلك المدينة أعمى وأصم وأبكم .. رغم أن الحال والمظهر يقول غير ذلك .. ويؤكد بأنه مبصر وسامع ومتكلم !.. إذا اجتهد في بذل الحروف لا يفقه قوله أحد .. وإذا استفسر يعاقب بنظرات وحيرة الآخرين !.. تارةً يمشى المسافات دون تخطيط مسبق يؤكد الوجهة .. ثم تارةً يجلس فوق الأرصفة دون معنى للجلوس !.. ثم تارةً يقوم من الجلسة دون معنى للقيام .. يحس في نفسه قمة الوهن والضياع .. فهو نكرة مجهول الأصل ليس في حسبان الآخرين !.. نظرات سريعة ولمحات خاطفة من المارة والعابرين .. والكل لا يبالي به ولا يرى سبباً يوجب السؤال !.. موقف يضعه في حيرة ,, فكيف يتواصل مع أهل المدينة ؟.. وهو ذلك العاجز الذي يشارك الناس نهارهم رغم أنه يفقد البوصلة ؟.. والأشد حيرة كيف سيقضي تلك الليلة وهو يجهل مرافئ الأستار ؟.. وتلك الشمس متعجلة لا توقف الخطوات لخاطر الغرباء .. ولا تتمهل في سعيها حتى يتمكن الحيارى من النزول من سرج الضياع !.. بل تواصل الزحف نحو الغروب دون إبطاء .. وكأنها تقول لعابر السبيل لن يفيدك احد بالإصغاء !.. والمعروف أن عابري السبيل عادة لا يملكون الجرأة ليبتعدوا عن ساحات المواني والمرافئ .. حيث منصات القدوم لأول مرة .. ثم منها قد يخطون الخطوات نحو الأسواق والأعماق والآفاق .. وصاحبنا هنا يقول ( تلك هي محطة القاطرات فأين هي الأسواق ؟ ) .


........تعمد أن يتخذ قراراً فمضى فوضويا نحو جهة من الجهات .. وكان يضع المعالم علامات حتى تعينه في حالة العودة والتراجع .. مشى طويلاً لمدة ساعة كاملة .. فإذا به في ساحة حي من الأحياء .. نظر في الأرجاء من حوله .. كانت الساحة تحاط بالعمارات والمنازل .. كثرة لهياكل صمت تعانق آفاق السماء .. وندرة لإنسان عصر يلبي النداء !.. تلك الشواهد التي تماثل شواهد القبور .. يكنفها الهدوء والسكون .. وكأنها غير مأهولة بالأحياء .. لم يجد مستأنساً يقبل التحيات أو يرد على أسئلة الضياع والحيارى .. فعاد الأدراج متتبعاً الإشارات والعلامات .. فإذا به يجد الذات مرة أخرى في ميناء القطارات .. ثم القرار مجددا أن يمشي لجهة أخرى من الجهات .. كان يسير وهو يحاور النفس ويسأل في حيرة عن الضالة المفقودة التي يبحث عنها .. هل هو يبحث عن الأسواق لمجرد الأسواق ؟.. أم هو يبحث عن شخص يمثل السند والترياق ؟.. ثم قادته الأقدام إلى منطقة تعج بالورش والمصانع .. كانت هنالك ضجيج الآلات والمحركات تصم الآذان .. وهنالك عمال يلبسون الأقنعة والخوذات .. وأصوات الآلات هي سيدة الساحات .. فلا مجال لأصوات البشر .. فعاد الأدراج حائراً إلى محطة القاطرات .. ثم كانت وجهة أخرى لجهة من الجهات .. وبعد أن مشى لمدة نصف ساعة وجد نفسه أمام منتزه وحديقة للعائلات .. لم يحاول الدخول في الحديقة .. بل حاول الاستدارة حولها .. ثم وقف فجأة حائراً مذهولاً .. فتلك حالة تؤكد المعجزة .. كيف لا وهنالك صوت ناعم يناجي اسمه من داخل الحديقة !.. ثم بدأ يتشكك في سلامة السمع .. فقد يكون الصوت من صنع الخيال ؟. وعند ذلك وسوس له إبليس قائلا : ( لقد بدأت تصاب بالحمى والهذيان بفعل الهجير والضياع ) .. ثم أراد أن يتحرك لمواصلة الخطوات .. فإذا بالصوت يعيد الكرة مرة أخرى .. وعند ذلك التفت متلهفاً ليشاهد صاحبة الصوت .. فإذا بحسناء جميلة رقيقة هي التي تناجي اسمه وتشير إليه بالبنان .. كانت الصورة رائعة وروعة .. مما ألزم الصاحب أن يقول في نفسه مضطرباً في التفكير والمنطق : ( كنت أرجو وآمل أن يعينني أحد من أهل المدينة حتى ولو كان من السكارى ،، أما أن تعينني حسناء مثل القمر فلم تكن في الحسبان !) .. فتاة كانت تشارف بداية العشرينات من العمر .. حسناء ضامرة مبرومة الحشا مستقيمة القامة كمقبض السيف .. تبتسم إليه من البعد في حياء .. فتقدم لناحية الفتاة وهو يصارع الحيرة .. وعندما اقترب منها بدأ يتفحص ملامح وجهها .. فبادرته الفتاة قائلة : ( ألم تعرفني يا فلان ؟ ) .. فقال لها : ( العين تقول إني قد رأيت تلك الفتاة من قبل ،، ولكن الذهن حائر يجهل الواقعة ويقول يا رب أين ومتى ؟؟ ) .. فقالت له : عجبا كيف ذلك ؟.. وأنا كنت زميلة لك في الجامعة .. ولكن كانت كليتك تختلف عن كليتي في التخصص .. ورغم ذلك كنا نلتقي كثيراً في ساحة الجامعة .. والفترة ليست بذلك القدر الذي ينسيك اسمي والمعية كلياً .. وإلا فكيف أنا أذكرك بالاسم وأنت تجهل اسمي ؟!.. فقال لها : ( عذرا لقد تذكرتك الآن كما تذكرت اسمك يا فلانة .. ثم نطق الاسم بمنتهى الأمانة .. وعندها ضحكت وقالت له ما الذي أتى بك إلى هذه المدينة ؟.. فقص لها الحكاية من البداية للنهاية .. وقال لقد أهدرت ساعات وساعات وأنا افقد الحيلة في التواصل مع أهل المدينة .. ولقد جئت إلى المدينة في مهمة عاجلة طارئة أعود بعدها غداً لموطني .. فقالت له نحن نسكن في هذه المدينة ويشرفنا أن تكون ضيفنا هذه الليلة .. وغداً بإذن الله تنجز مهمتك وتعود لأهلك بالسلامة .. تلك الفتاة قد مثلت فجأة الواحة والراحة لحائر يشتكي الضياع في بلاد الغربة .. أوفت بوعدها ثم أخذت الضيف معها وقدمته لأهلها الذين استقبلوه بحفاوة وتكريم .



...........ولا تبلغ القصة قمة الإثارة إذا كانت تلك هي النهاية .. ولكن للقصة تبعات تؤكد الإشارة .. حيث أن الأقدار كانت تخطط لتلك الصدفة العجيبة .. فهي الصدفة التي جمعت بين قلبين .. وقد نمت وقويت العلاقة بين الشاب والشابة .. فكان الوفاق والاتفاق على الزواج .. ثم تقدم لأهلها طالباً يدها .. فوافقوا على ذلك .. فمثلت تلك الصدفة العجيبة شراكة حياة بين قلبين .. ثم كان البنون والبنات زينة الحياة الدنيا .. فيا لها من صدفة عجيبة خير من ألف ميعاد !
*****************